رسائله «مار أنطونيوس

 

 

 
الرسالة الأولى
 
"رسالة من أنطونيوس المتوحِّد ورئيس المتوحِّدين إلى الإخوة السَّاكنين في كلِّ مكان".
 
أوّلاً وقبل كلِّ شيء أُهدي سلامي إلى محبَّتكم في الرَّبّ!
 
أرى يا إخوة أنَّ النّفوس التي تقترب من محبَّة الله هي ثلاثة أنواع، سواء من الرِّجال أو من النِّساء.
 
 
 
النوع الأوّل (أي الدَّعوة الأولى)
 
 هم أولئك الذين دعوا بناموس المحبّة الذي في طبيعتهم، تلك المحبّة التي غرست فيهم من الصَّلاح الأصليّ عند خلقتهم الأولى وعندما جاءت إليهم كلمة الله، لم يشكّوا فيها مُطلقـًا. بل قبلوها وتبعوها بكلِّ استعدادٍ ونشاط، مثل إبراهيم أب الآباء.
 
 فلمَّا رأى الله أنّه لم يتعلّم محبّة الله من طريق تعليم البشر وإنّما تعلّمها من النّاموس المغروس في طبيعة خليقته الأولى، ظهر الله له وقال: "أُخرج من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي سوف أريك" (تك 12: 1) فخرج دون أن يشكّ، بل كان مُستعدًا لدعوته. إنّ ابراهيم هو نموذج  لهذا النّوع من الاقتراب إلى محبّة الله، والذي لا يزال موجودًا إلى الآن في أولئك الذين يسلكون في خطواته. إنّهم يتعبون طالبين مخافة الله بالصَّبر والسُّكون ويحصلون على الحياة الحقيقيّة لأنَّ نفوسهم مستعدَّة لأن تتبع محبَّة الله. هذا هو أوَّل نوع للدَّعوة.
 
الدَّعوة الثانية
 
 هي هذه، يوجد أناس يسمعون الكلمة المكتوبة وما تشهد به عن الآلام والعذابات المعدّة للأشرار، والمواعيد المُعدّة لِمن يسلكون بلياقة في مخافة الله، ولِشهادة الشَّريعة المكتوبة تتيقظ نفوسهم وتطلب الدّخول إلى الدعوة كما يشهد داود عندما يقول "ناموس الربِّ طاهر يردُّ النفس، شهادة الربِّ صادقة تعطي حكمة للبسطاء (الودعاء) (مز 19: 7).
وفي  موضع آخر يقول:  "شرح كلامك يضيء عقل البسطاء" (مزمور 119: 130) وأقوال أخرى كثيرة، لا نستطيع أن نذكرها كلّها الآن.
 
 
الدَّعوة الثالثة
 
هي هذه توجد نفوس كانت سابقـًا قاسية القلب مستمرّة في أعمال الخطيئة ولكنَّ الله الصَّالح في رحمته رأى أن يرسل عليهم تأديبات الآلام والضيقات حتى يتعبوا، فيستفيقون وينتبهون ويتغيّرون ويتقرَّبون من الله ويدخلون في معرفته، ويتوبون من كلِّ قلوبهم، وهؤلاء أيضًا يبلغون إلى الحياة الحقيقيّة مثل أولئك الآخرين الذين تكلّمنا عنهم سابقـًا.
 
 
هذه هي طُرق الاقتراب الثلاثة التي تأتي بها النفوس إلى التوبة لكي تنال نعمة ودعوة إبن الله.
 
الرّوح القدس يسهّل للنفس طريق التوبة.
 
والآن في ما يخصّ أولئك الذين دخلوا بكلّ قلوبهم وقرّروا أن يحتقروا كلَّ شدائد الجسد وبشجاعة يقاومون الحرب التي تقوم ضدّهم إلى أن ينتصروا، فإني أعتقد، أوّلاً أن الرّوح هو الذي يوجّه إليهم الدّعوة وهو يجعل الحرب هيّنة وسهلة بالنسبة إليهم، ويجعل أعمال التوبة حلوة ويُريهم كيف يجب أن يتوبوا بالجسد والنفس حتى يبلغ بهم إلى التحوّل الكامل إلى الله الذي خلقهم.. وليعطيهم أعمالاً بواسطتها يمكنهم أن يقمعوا النفس والجسد حتى يتطهرا ويدخلا معًا إلى ميراثهما، الحياة الأبديّة.
 
 
الرّوح القدس يرشد الإنسان حتى يتطهّر جسدًا وروحًا.
 
أوّلاً، فإنّ الجسد يتطهّر بالصَّوم الكثير وبالسَّهر وبالصَّلوات وبالخدمة التي تجعل الإنسان ينضبط في جسده ويقطع من نفسه كلّ شهوات الجسد. ويصبح روح التوبة هو مرشده في هذه الأمور، ويختبره بواسطتها لئلا يقتنصه العدوّ إليه مرَّة ثانية.
 
وعندئذ يبدأ الرّوح الذي يُرشده، أن يفتح عينيّ نفسه لكي يُعطيها التوبة أيضًا لكيما تتطهّر ويبدأ العقل أيضًا في تمييز الجسد من النفس، وذلك عندما يبدأ أن يتعلّم من الرّوح كيف يطهّرهما بالتوبة. وعندما يتعلّم العقل من الرّوح فإنّه يصبح مُرشداً لكلِّ أعمال الجسد والنفس معلّمًا إيّانا كيف نطهّرهما. ويفصلنا عن كلِّ الثمار اللّحميّة التي اختلطت بأعضاء الجسد منذ المعصية الأولى. ويعيد كلَّ عضوٍ من أعضاء الجسد إلى حالته الأصليّة دون أن يكون فيه أي شيء من روح الشيطان. ويصبح الجسد تحت سلطان العقل المتعلّم من الرّوح كما يقول الرسول لأنّ العقل يطهّره في أكله وفي شربه وفي نومه، "أقمع جسدي واستعبده" (1كو 9: 27) وبكلمة واحدة فإنه يطهّره في كلِّ حركاته. حتى أنّه من خلال طهارة العقل  يتحرَّر الجسد حتى من الحركات الطبيعيّة التي فيه.
 
 
حركات الجسد الثلاث
 
وأعتقد أنّه توجد ثلاثة أنواع لحركة الجسد.
 
  توجد حركة مغروسة في الجسد بالطبيعة غرست فيه في خلقته الأولى ولكنَّها لا تعمل ما هو خاطئ دون إرادة النفس، ولاسيّما عملها فقط هو أن تنبّهنا إلى أنّها حاضرة وموجودة، وذلك بواسطة حركة غير شهوانية في الجسد.
 
 
وتوجد حركة أخرى وهي تحدث عندما يملأ الإنسان جسده بالطعام والشَّراب وتتسبَّب حرارة الدَّم المتولّدة من كثرة الأطعمة في إثارة الحرب في الجسد بسبب نهمنا. ولهذا السبب يقول الرّسول: "لا تشربوا الخمر الكثير". (أف 5: 18) وأيضًا حذّر الربّ تلاميذه: "احترزوا لئلا في أي وقت تثقل قلوبكم بالشّبع والسُّكر" (لو 21: 34) أو اللّذة. وخاصّة أولئك الذين يطلبون ملء النقاوة عليهم أن يقولوا أخضع جسدي وأستعبده" (1 كو 9: 27).
 
 
والآن يا أولادي المحبوبين، إذا تسلّحت النفس بالصَّبر، في هذه الحركات الثلاثة، وثبتت في الشَّهادة التي يشهد بها الرّوح داخل القلب فإنَّ النفس والجسد كليهما يتطهّران من هذا النّوع من المرض. لكن إذا رفض القلب الشهادة التي يشهدها فيه الرّوح بخصوص هذه الحركات الثلاث فإنّ الأرواح الشّريرة تتسلّط عليه وتزرع في الجسد كلَّ الشّهوات وتحرّكها وتثير حربًا عنيفة ضدَّه حتّى تخور النفس وتمرض، فإن رجعت وصرخت طالبة ً الحصول على المعونة فإنّها تتوب، وتطيع وصايا الرّوح، وتشفى، عندئذ تتعلّم من الرّوح أن تجد راحتها في الله، ولتعرف أنّ الله وحده سلامها.
 
 
هذه الأشياء قلتها لكم يا محبوبون لكي تعلموا كيف ينبغي على الإنسان أن يتوب جسدًا ونفسًا ويطهرّهما كليهما. فإذا ما غلب العقل في هذا النضال، فإنّه حينئذ يصلّي بالرّوح القدس ويبدأ في أن يطرد من الجسد شهوات النفس التي تأتي إليها من إرادتها الخاصّة. حينئذ يصير للرّوح القدس شركة وألفة مع العقل، لأنَّ العقل يحفظ الوصايا التي سلّمها إليه الرّوح.
 
الرّوح القدس وتقديس الحواس والأعضاء.
 
 
يعلّم الرّوح العقل كيف يشفي شهوات النفس وكيف تتخلّص منها كلّها، تلك الشَّهوات التي امتزجت بأعضاء الجسد، وشهوات أخرى غريبة تمامًا عن الجسد ولكنّها اختلطت بالإرادة.
 
العينان
 
 ويضع الرّوح للعينين قانونًا لكي تنظرا باستقامة ونقاوة ولكي لا يوجد فيها أيّ خداع.
 
الأذنان
 
 وبعد ذلك يضع قاعدة للأذنين كيف تسمعا بسلام ولا تشتاقا أو تشتهيا سماع الكلام الرَّديء، ولا أن تسمع عن فضائح الناس بل يعلّمهما كيف تبتهجان بالسَّمع عن الاشياء الصَّالحة، وعن الطريقة التي يثبت بها كلُّ إنسان، وعن الرَّحمة المُعطاة لكلِّ الخليقة التي كانت مريضة فيما سبق.
 
اللّسان
 
 وأيضًا فإن الرّوح يعلّم اللّسان النقاوة، وذلك لأنَّ اللّسان كان مريضًا بمرض خطر، لأنَّ المرض الذي أصاب النفس كان يعبّر عنه بواسطة اللّسان الذي تستخدمه النفس أداة ً لها، وبهذه الطريقة أصيب اللّسان بمرض خطير وجُرِحَ جرحًا عظيمًا، وأيضًا بواسطة هذا العضو اللّسان بنوع خاصّ، قد مرضت النفس. والرّسول يعقوب يشهد (عن هذا الأمر) قائلاً: "إن ظنَّ إنسانٌ أنّه ديّن وهو لا يلجم لسانه، بل يخدع قلبه، فديانة هذا الإنسان باطلة". (يع1/ 26).
 
وفي موضعٍ آخر يقول أيضًا: "اللّسان هو عضوٌ صغيرٌ ويدنِّس الجسد كلّه". (يع 3/ 5).
 
وكثيرٌ أيضاً غير ذلك لا استطيع أن اقتبسه كلّه الآن. ولكن إذا تقوَّى العقل بالقوَّة التي ينالها من الرُّوح فإنّه أوَّلاً يتطهّر ويتقدّس، ويتعلّم التمييز والإفراز في الكلمات التي يسلّمها اللّسان لكي ينطقها، لكي تكون هذه الكلمات دون تحزّب ودون إرادة ذاتية أنانيّة.
 
حركات اليدين
 
 وبعد ذلك يشفي الرّوح اليدين التي كانت تتحرّك بطريقة مضطربة متـَّـبِعة إرادة العقل، أمّا الآن فإن الرّوح يعلّم العقل كيف يطهرّهما لكي يعمل بهما في عمل الرَّحمة وفي الصَّلاة وبذلك تتمُّ الكلمة التي قيلت عنهما "ليكن رفع يديَّ كذبيحة مسائيّة" (مز 141: 12) وفي موضع آخر "أمَّا أيدي المجتهدين فتغني" (أم 10:4).
 
 
البطن  (الأكل والشرب)
 
وبعد ذلك يطهّر الرّوح البطن في أكلها وفي شربها لأنّه طالما أنّ رغبات النفس نشيطة فيها، فإنّها لا تشبع في نهمها إلى الطعام والشراب، وبهذه الطريقة فإن الشَّياطين يقومون بهجومهم على النفس.
 
وعن هذا تكلّم الرّوح في داود قائلاً: "مستكبر العين ومنتفخ القلب لا آكل معه" (مز 100 5 س)  وكلّ الذين يطلبون الطهارة في هذا الأمر فإنَّ الرُّوح القدس يضع لهم قواعد للتطهير، وهي الأكل باعتدال بما يكفي لأجل قوَّة الجسد، وبدون تلذذ شهواني، وبهذا يتمّ قول بولس:
 "فإن كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد الله". (1 كو 10: 31).
 
 
الأفكار الجنسية
 
 وأمَّا عن الأفكار الجنسيّة التي تتحرّك من الجزء أسفل البطن، فإن العقل يتعلّم بالرّوح كيف يميّز الحركات الثلاثة التي تكلّمنا عنها سابقـًا ويثابر في تطهير هذه الأعضاء حسب ما يعينه الرّوح ويقوِّيه، حتى أنَّ كلَّ الحركات تنطفئ بقوَّة الرُّوح الذي يصنع سلامًا في كلِّ الجسد ويقطع منه كلَّ الشّهوات. وهذا ما يقوله القدّيس بولس "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض: الزِنا، النجاسة، الهوى، الشّهوة الرديئة". (1 كو 3: 5).
 
 
خطوات القدمين
 
 وبعد كلِّ هذا يُعطي القدمين أيضًا طهارتهما. لأنّهما قبلاً لم تكن خطواتهما مستقيمة بحسب إرادة الله، أمّا الآن فإذ قد صار العقل موحدًا تحت سلطان الرّوح، فإنّ العقل يطهّر القدمين لكي تسيرا حسب إرادته لتذهبا ولتخدما في الأعمال الصَّالحة.
 
النتيجة تغيير الجسد وتجلّيه.  وبذلك يتغيّر الجسد كلّه ويتجدّد ويصبح تحت سلطان الرّوح. وأعتقد أنّه عندما يتطهّر كلّ الجسد ويأخذ ملء الرّوح فإنّه بذلك يكون قد نال بعض النّصيب من ذلك الجسد الروحانيّ العتيد أن يكون في قيامة الأبرار.
 
 
هذا قد قلته عن أمراض النفس التي اختلطت بأعضاء الطبيعة الجسديّة التي فيها تتحرّك النفس وتعمل، وهكذا تصبح النفس مُرشدًا للأرواح النّجسة التي تأتي وتعمل في أعضاء الجسد. ولكنّني قد قلت أيضًا  أنّ النفس لها شهوات أخرى مختلفة عن شهوات الجسد، وهذه هي التي سنوضحها الآن.
 
 
شهوات النفس
 
الكبرياء، الذي هو مرض خاص بالنفس، ولا علاقة له بالجسد، وكذلك الافتخار والحسد، والكراهية والغضب والتراخي وغيرها. ولكن إذا سلّمت النفس ذاتها لله بكلِّ قلبها فإنّ الله يرحمها، ويسلّمها إلى روح التوبة الذي يشهد لها عن كلِّ خطيئة، لكي لا تقترب منها مرَّة أخرى، ويكشف للنفس عن أولئك الذين يحاربونها ويحاولون أن يمنعوها من الانفصال عن الخطايا باذلين كلَّ جهدهم لكي لا تثبت النفس في التوبة، ولكن إذا احتملت النفس وأطاعت الرّوح الذي يُرشدها للتوبة فإنَّ الخالق يتحنّن بسرعة على تعب توبتها واذ يرى أتعاب الجسد في الصَّلاة الكثيرة والصَّوم والتضرّع وتعلّم كلمات الله، وفي جحد العالم وفي الاتّضاع والدّموع والثبات في الانسحاق، عند ذلك فإنّ الله الرَّحيم إذ يرى تعبها وخضوعها، يتحنّن عليها ويخلّصها.
 
 

الرسالة الثانية

 

إخوتي الأعزّاء المبجّلين، أنا أنطونيوس أحيّيكم في الرَّبّ.

 

حقـًّا يا أحبّائي في الرَّبّ، ليس مرّة واحدة فقط افتقد الرَّبُّ خليقته، بل منذ تأسيس العالم، حينما يأتي أيُّ واحدٍ من البشر إلى خالق الكلّ، بواسطة شريعة عهد الله المغروسة في القلب، فإنّ الله يكون حاضرًا مع كلِّ واحد من هؤلاء بصلاحه وبالنعمة، بواسطة روحه. أمّا في حالة تلك الخلائق العاقلة التي اضمحلّ فيهم عهده وماتت بصيرتهم العقليّة، فصاروا غير قادرين على أن يعرفوا أنفسهم كما كانوا في حالتهم الأولى (الأصليّة التي خلقوا عليها)، فعن هؤلاء أقول إنّهم صاروا غير عاقلين (فقدوا الحكمة) وعبدوا المخلوق دون الخالق، لكنّ خالق الكلّ، في صلاحه العظيم افتقدنا بواسطة ناموس العهد المغروس فينا. فإنّ الله جوهر عديم الموت.

 

 

إنّ كثيرين صاروا أهلاً (مستحقين) لله ونموا وتقدّموا بواسطة ناموسه المغروس فيهم، وتعلّموا بواسطة

روحه القدّوس، ونالوا روح التبني، هؤلاء صاروا قادرين على أن يعبدوا خالقهم كما يجب. وعن هؤلاء يقول بولس "لم ينالوا المواعيد بدوننا " (عب 11: 39).

 

 

محبّة الله ثابتة وخالق الكلّ لا يتراجع عن محبّته، وإنّه يرغب في أن يفتقد مرضنا وحيرتنا، لذلك أقام  موسى واضع الناموس، الذي أعطانا الناموس المكتوب أسّس لنا بيت الحقّ أو الكنيسة الجامعة التي تجعلنا واحداً في الله، لأنّه (الله) يرغب في أن نعود إلى الحالة الأصليّة التي كنّا عليها وموسى بنى البيت، وبدورهم تركوه أيضًا ومضوا. وكلّهم إذ كانوا لابسين الرّوح رأوا أن الجرح عديم الشّفاء، وأنّه لا يوجد مخلوق يستطيع أن يشفيه، وإنّما واحد فقط، وهو الابن الوحيد الذي هو عقل الآب ذاته وصورته، الذي خلق كلّ المخلوقات العاقلة على صورته. وهؤلاء (الأنبياء) عرفوا أنّ المخلّص هو الطبيب العظيم ولذلك اجتمعوا معًا وقدّموا صلاة ً لأجل أعضائهم أي لأجلنا، وصرخوا وقالوا "ألا يوجد بلسان في جلعاد؟ أم ليس هناك طبيب؟ فلماذا لم تستردّ بنت شعبي صحّتها؟" (إر 8: 22) ، حاولنا أن نشفيها لم تُشفَ، لذلك فلنتركها ولنذهب بعيدًا (إر 51: 9).

 

مجيء المسيح وموته لأجلنا

 

لكن الله في محبّته الفيّاضة والتي لا زيف فيها، جاء إلينا، وقال بواسطة قدّيسه "يا ابن آدم هيِّئ لنفسك آنية أسر" (حزقيال 12: 3). والذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مُساواته بالله اختلاسًا، بل أخلى ذاته آخذًا صورة عبد، وأطاع حتى الموت موت الصّليب، لذلك رفعه الله أيضًا وأعطاه إسمًا فوق كلّ إسم لكي تجثو باسم يسوع كلّ ركبة ممّن في السّماء ومن تحت الأرض، ويعترف كلّ لسان أنّ يسوع المسيح هو ربّ لمجد الله الآب (فيلبي 2: 6 ـ 11).

 

والآن يا أحبائي لتكن هذه الكلمة ظاهرة عندكم أنّ صلاح الآب لم يشفق على ابنه بل أسلمه لأجل خلاصنا جميعًا (راجع رومية 8: 32) وهو بذل نفسه لأجل خطايانا (غلا 1: 4)، وذنوبنا سحقته "وبجلداته شفينا" (أشعيا 53 : 5) وبقوّة كلمته جمعنا من كلّ الشعوب ومن أقصاء الأرض إلى أقصائها وصنع قيامة لعقولنا، وغفرانًا لخطايانا، وعلّمنا أنّنا أعضاء بعضنا لبعض.

 

 

الخلاص والتبني

 

أرجوكم أيّها الإخوة إفهموا هذا التّدبير العظيم وهو: أنّه صار مثلنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة (عب 4: 15). ويجب على كلّ واحد من الخلائق العاقلة التي جاء المخلّص أساسًا لأجلها، أن يفحص حياته وأن يعرف عقله وأن يميّز الخير من الشرّ، لكي ما يخلّص بمجيء يسوع لأنّ كثيرين خلّصوا بتدبيره ودعوا خدّامًا لله. إلّا أنّ هذا ليس هو الكمال بعد، وإنّما في وقته الخاصّ كان هو البرّ، وهو يقود إلى تبنّي البنين.

 

وقد أعلن يسوع مخلصنا أنّ الرّسل كانوا قريبين من نوال روح التبنّي، وأنّهم (الرسل) عرفوه لأنّهم تعلّموا بالرّوح القدس، ولذلك قال "فيما بعد لا أدعوكم عبيدًا بل إخوة وأصدقاء لأنّي أخبرتكم بكلِّ ما سمعته من أبي" (يو 15: 15) . لذلك إذ صارت لهم جرأة في عقلهم، لأنّهم عرفوا نفوسهم وجوهرهم العقليّ، لذلك قالوا بصوتٍ واحدٍ أن كنّا قد عرفناك حسب الجسد إلّا إنّنا الآن لا نعرفك كما عرفناك  (كورنتوس 5: 16) بل نالوا روح التبني وصرخوا وقالوا "إنّنا لم نأخذ روح العبوديّة أيضًا للخوف بل أخذنا روح التبنيّ الذي به نصرخ أبّا أيها الآب" (روم 8: 15) لذلك الآن نحن نعرف يا ألله أنّك قد أعطيتنا أن نكون أبناء وورثة لله ووارثون مع المسيح (روم 8: 17).

 

 

التّوبة والدّينونة

 

لكن لتكن هذه الكلمة ظاهرة لكم، يا أحبّائي، أنّ كلّ مَن لم يتهيّأ للتّصحيح (التوبة) ولم  يتعب بكلِّ قوَّته فليعرف مثل هذا، أنّ مجيء المُخلّص يكون دينونة له، لأنّ المخلّص بالنسبة إلى البعض هو رائحة موت لموت وللبعض رائحة حياة لحياة (2 كور 2: 16) لأنّه "وُضِعَ لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل ولعلامة تُقاوم" (لو 2: 34).

 

أرجوكم يا أحبّائي باسم يسوع المسيح ألّا تهملوا خلاصكم، بل ليمزّق كلّ واحدٍ منكم قلبه وليس ثيابه (يوئيل 2: 13)، خوفًا من أن نكون قد لبسنا ثوب الرّهبنة باطلاً، وإنّنا بذلك نقود أنفسنا إلى الدّينونة.

 

فانظروا أنّ الوقت الآن قريبٌ الذي فيه سوف تُمتحن أعمال كلّ واحدٍ منّا. أمّا عن تفاصيل ما أكتبه اليكم فيوجد كثير من الأمور التي يجب أن أكتبها لكم. لكنّه مكتوب "أعطِ فرصة للحكيم، فيصير أكثر حكمة" (أم 9:9)

 

أحيّيكم جميعًا من الصَّغير إلى الكبير. وإله السَّلام يحفظكم جميعًا. يا أحبّائي آمين.

 

 

الى الأعلى

 

الرسالة الثالثة

 

 

معرفة النفس ومعرفة الله

 

 

الإنسان العاقل الذي أعدَّ نفسه لكي يتحرّر بظهور ربّنا يسوع يعرف نفسه في جوهره العقلي، لأنّ الذي يعرف نفسه يعرف تدابير الخالق وكلّ ما يعمله وسط خلائقه.

 

يا أعزّائي المحبوبين في الرَّبِّ أنتم أعضاؤنا والورثة مع القدّيسين. نتوسّل لأجلكم باسم يسوع، أن يُعطيكم الله روح التمييز، لكي تدركوا عظم المحبّة التي في قلبي نحوكم، وتعرفوا أنّها ليست محبّة جسديّة بل روحيّة إلهيّة. لأنّه لو أنّ الأمر بخصوص أسمائكم الجسديّة لما كانت هناك حاجة لأن أكتب إليكم بالمرّة لأنّها أسماء مؤقتة. لكن إذا عرف إنسان اسمه الحقيقيّ فسوف يعرف أيضًا اسم الحقّ. ولهذا السبب أيضًا عندما كان يعقوب يُصارع طوال الليل مع الملاك كان لا يزال اسمه يعقوب، لكن عندما أشرق النّهار دُعي اسمه إسرائيل أي "العقل الذي يرى الله" (تك 32: 24 ـ 30).

 

 

 

افتقاد الله لخلائقه دائمًا

 

وأعتقد أنّكم لا تجهلون أنّ أعداء الفضيلة يتآمرون دائمًا ضدّ الحقّ. لهذا السبب فقد افتقد الله خلائقه ليس مرّة واحدة فقط، بل من البدء كان هناك البعض مستعدّين لأن يأتوا إلى خالقه بواسطة ناموس عهده المغروس فيهم، هذا الناموس الداخلي، الذي علّمهم أن يعبدوا خالقهم باستقامة. ولكن بسبب انتشار الضّعف وثقل الجسد والاهتمامات الشرّيرة جفَّ الناموس المغروس في البشر، وتوقـّف وضعفت حواس النفس، حتى أنّ البشر أصبحوا غير قادرين أن يجدوا أنفسهم على حقيقتها بحسب خلقتهم، أي الجوهر، الطبيعة، عديم الموت لا يتحلل مع الجسد. ولذلك فهذا الجوهر، أيّ النفس، لم يتمكّن من التحرر أيّ الخلاص، بواسطة برّه الذاتي. ولهذا السبب سكن الله مع البشر حسب صلاحه بواسطة النّاموس المكتوب، لكي يعلّمهم الناموس كيف يعبدون الآب كما يجب. الله واحد، أي أنّه جوهر واحد عاقل. وأنتم تفهمون هذا، يا أحبّائي، أنّه في كلّ مكان حيث لا يوجد توافق وانسجام، يحارب البشر بعضهم بعضًا ويقاضون في المحاكم بعضهم بعضًا.

 

 

مجيء المسيح للشّفاء والخلاص

 

 

وقد رأى الخالق أنّ جرحهم يعظم وأنّه يحتاج لرعاية طبيب ويسوع نفسه هو خالقهم وهو نفسه الذي يشفيهم، ولذلك أرسل أمام وجهه السّابقين. ونحن لا نخاف أن نقول إنّ موسى واضع الناموس هو أحد سابقيه، وإنّ الرّوح نفسه الذي كان مع موسى كان يعمل أيضًا في جماعة القدّيسين جوقة الأنبياء وأنهم جميعًا صلّوا لابن الله الوحيد. ويوحنّا أيضًا هو أحد سابقيه ولهذا السبب فإنّ الناموس والأنبياء كانوا إلى مجيء يوحنّا "وملكوت الله يُغصب والغاصبون يأخذونه بالقوّة" (مت 11: 12 ، 13) واذ كانوا لابسين للرّوح رأوا أنّه ولا واحد من الخليقة قادر أن يشفي هذا الجرح العظيم وإنّما فقط صلاح الله ونعمته، أي ابنه الوحيد الذي أرسله ليكون مخلصًا للعالم كلّه، لأنّه هو الطبيب العظيم الذي يستطيع أن يشفي الجرح العظيم. وطلبوا إلى الله، وهو في صلاحه ونعمته، وهو آب كلّ الخليقة، لم يضنّ بابنه لأجل خلاصنا بل سلّمه لأجلنا جميعًا ولأجل خطايانا (روم 8 : 32). ووضع نفسه وبجلداته شُفينا (راجع فيلبي 2: 8 ـ أشعيا 53 : 5)  وبقوّة كلمته جمعنا من كلّ الشّعوب ومن أقصاء الأرض إلى أقصائها ورفع قلوبنا بعيداً عن الأرض وعلّمنا أنّنا أعضاء بعضنا لبعض.

 

 

لنتحرّر نحن أيضًا بمجيئه

 

أتوسل إليكم يا أعزّائي المحبوبين في الرَّبّ، إفهموا أنَّ هذا الكتاب المقدّس هو وصيّة الله. وإنّه لأمر عظيم جداً أن نفهم الصورة التي أخذها يسوع لأجلنا، لأنّه صار في كلّ شيء مثلنا ما عدا الخطيئة (عب 4: 15) . والآن إنّه من الصّواب أن نخلص نحن أيضًا من كلّ شيء بواسطة مجيئه، حتّى أنّه بجهله يجعلنا حكماء وبفقره يجعلنا أغنياء، وبضعفه يقوّينا، ويهب القيامة لنا كلّنا، مبيدًا ذاك الذي له سلطان الموت (عب 2: 14). وحينئذ نكفّ عن أن نطلب يسوع لأجل احتياجاتنا الجسديّة. إنّ مجيء يسوع يساعدنا على أن نفعل كلّ صلاح، إلى أن نبيد تمامًا كلّ رذائلنا. وعند ذلك يقول يسوع لنا لا أدعوكم بعد عبيدًا بل إخوة (يوحنّا 15 : 15).

وعندما وصل الرّسل إلى قبول روح التبني علّمهم الرّوح القدس أن يعبدوا الآب كما يجب.

 

 

الخلاص والدّينونة بمجيء يسوع

 

 

أمّا بالنسبة إليّ أنا الأسير الفقير ليسوع، فإنّ الوقت الذي نعيشه قد تسبّب في فرح ونوح وبكاء. لأنّ الكثير من الرّهبان قد لبسوا الثوب الرّهباني ولكنّهم أنكروا قوّته. أمّا الذين أعدّوا أنفسهم للخلاص بمجيء يسوع، فهؤلاء أنا أفرح بهم.

 

 

أمّا الذين يُتاجرون باسم يسوع بينما هم يعملون مشيئة قلوبهم وأجسادهم، فهؤلاء أنا أنوح عليهم. أمّا الذين نظروا إلى طول الوقت وخارت قلوبهم وخلعوا ثوب الرّهبنة وصاروا وحوشًا فأنا أبكي لأجلهم. لذلك اعلموا أنّ مجيء يسوع يصير دينونة عظيمة لمثل هؤلاء. لكن هل تعرفون نفوسكم يا أحبّائي في الرَّبّ، لكي تعرفوا هذا أيضًا هذا الوقت، وتستعدّوا بتقديم نفوسكم ذبيحة مقبولة لدى الله. وبكلّ يقين يا أحبّائي في الرَّبّ أنا أكتب لكم كأناس حكماء قادرين أن يعرفوا أنفسهم وأنتم تعرفون أنّ من يعرف نفسه يعرف الله وأنّ من يعرف الله يعرف أيضًا تدابيره التي يصنعها من أجل خلائقه.

 

 

لتكن هذه الكلمة ظاهرة لكم، إنّه لا يوجد عندي حبّ جسدي من ناحيتكم وإنّما محبّة روحيّة إلهيّة، لأنّ الله يتمجّد في جميع قدّيسيه (مز 88 /8س). هيّئوا نفوسكم طالما أنّ لكم من يتوسّلون عنكم لله لأجل خلاصكم، لكيما يسكب الله في قلوبكم النّار التي جاء يسوع لكي يلقيها على الأرض (لو 12 : 49)، لكي تستطيعوا أن تدرّبوا قلوبكم وحواسّكم وتعرفوا كيف تميّزوا الخير من الشرّ واليمين من الشّمال والحقيقة من الوهم. إنّ يسوع عرف أنّ الشّيطان يستمدّ قوّته من الأشياء الماديّة الخاصّة بهذا العالم، ولذلك دعا تلاميذه وقال لهم "لا تكنزوا لأنفسكم كنوزًا على الأرض" "ولا تهتمّوا للغد" (مت 6: 19، 34).

 

وحقـًّا يا أحبّائي إنّكم تعرفون أنّه عندما تهبّ ريح معتدلة يفتخر ربّان السّفينة عندما يكمل الرحلة، لكنّه في وقت الرّياح العاصفة المُضادة يظهر كلّ ربّان ماهر. اعرفوا إذًا من أيّ نوع هو هذا الوقت الذي نعيش فيه.

 

أمّا عن تفاصيل كلمة الحرّية فتوجد أمور كثيرة أقولها لكم. لكن أعطوا الفرصة للحكيم فيكون أكثر حكمة (أم 9:9) .

 

 

أحييّكم من الصَّغير إلى الكبير في الرَّبّ، آمين.

الى الأعلى 

 

 

 

الرسالة الرابعة

 

البرّ الذي يقود إلى التبنيّ.

 

أنطونيوس يتمنّى لكلِّ إخوته الأعزّاء فرحًا في الرَّبّ.

 

  يا أعضاء الكنيسة سوف لا أملّ من ذكركم، أريد أن تعرفوا أنّ المحبّة التي بيننا ليست محبّة جسديّة ولكن روحيّة إلهيّة. لأنّ الصداقة الجسديّة ليس لها صلابة وثبات، اذ تحرّكها رياح غريبة.

 

 

إنّ كلّ من يخاف الله ويحفظ وصاياه، فهو خادم الله. وهذه الخدمة ليست هي الكمال بل فيها البرّ الذي

 يقود إلى التبنيّ. ولهذا السبب فإن الانبياء والرّسل، وهم الجماعة المقدّسة الذين اختارهم الله وائتمنهم على الكرازة الرسوليّة، أصبحوا بصلاح الله أسرى في المسيح يسوع. لذلك يقول بولس: "بولس أسير يسوع المسيح  المدعو رسولًا". (أف 3 /1) (روم1 /1).

 

لذا فإن النّاموس المكتوب يعمل فينا بعبوديّة صالحة، إلى أن نصبح قادرين على السِّيادة على كلِّ شهوة. ونصبح كاملين في الخدمة الصّالحة للفضيلة من خلال هذا المستوى الرسوليّ.

 

 

روح التبني

 

لأنّه إذا اقترب انسان من النِّعمة فإن يسوع سيقول له "سوف لا أدعوكم عبيداً، بل أدعوكم أصدقائي وإخوتي لأنَّ كلّ الاشياء التي سمعتها من أبي اخبرتكم بها" (يو15: 15).

 

 

فإنَّ كلّ الذين اقتربوا من النّعمة وتعلّموا من الرّوح القدس قد عرفوا أنفسهم حسب جوهرهم العقليّ. وفي معرفتهم لأنفسهم صرخوا قائلين: "لأنّنا لم نأخذ روح العبوديّة للخوف ولكن روح التبنيّ الذي به نصرخ أبَّا أيُّها الآب".( روم 8: 15)

 

"حتّى نعرف ماذا أعطانا الله إذا كنّا أبناء فإنّنا ورثة أيضاً، ورثة الله، ووارثون مع القدّيسين".

(رو 8 : 17).

 

الفضائل لكم

 

يا أبنائي الأعزّاء والوارثين مع القدّيسين إنّ كلّ الفضائل ليست غريبة عنكم، ولكنّها لكم إذا كنتم لستم تحت الخطيئة من هذه الحياة اللحميّة، ولكنكم ظاهرون أمام الله. لأنّ الرّوح لا يسكن في نفس الإنسان المدنّس القلب، ولا في الجسد الخاطئ، لأنّه قوّة مقدّسة ومنفصل عن كلِّ خداع وشرّ.

 

 

إعرفوا أنفسكم

 

حقيقة يا أحبّائي إنّي أكتب لكم كما لرجالٍ عُقلاء عرفوا أنفسهم - لأنَّ من عرف نفسه عرف الله ومن عرف الله يستحقّ أن يعبده بالحقّ.

 

أحبّائي في الرّب إعرفوا أنفسكم لأنّ الذين عرفوا ذواتهم يعرفون زمانهم، والذين يعرفون زمانهم، يستطيعون أن يبقوا ثابتين، لا يتحرّكون باللّغات المتنوعة (بالتعاليم الغريبة).

 

لأنّه بالنسبة لأريوس الذي تعظَّم في الاسكندريّة وتكلّم بأقوال غريبة عن الابن الوحيد جاعلاً بداية للذي لا بداية له ونهاية لمن يفوق فحص وإدراك البشر، وحركة لمن هو غير متحرك.

 

فإذا أخطأ إنسان ضدَّ آخر فإنهم يستعطفون الله من أجله ولكن إذا أخطأ إنسان ضدَّ الله فمَن الذي يصلّي لأجله؟ (1صم 2: 25).

 

لذلك فإنّ هذا الرّجل أخذ على عاتقه أمراً خطيراً، وجرحه غير قابل للشّفاء. لأنّه لو عرف مثل هذا
نفسه، لما تكلّم لسانه عمّا لا يعرفه. ولكن من الواضح أنّه لم يعرف نفسه.

 

 

عن كتاب "رسائل القدّيس أنطونيوس"  ترجمة بيت التكريس لخدمة الكرازة يناير1991م

الى الأعلى

 

 

الرسالة الخامسة

 

 

أنطونيوس إلى أبنائه الأعزّاء، الإسرائيليّين القدّيسين في جوهرهم العقليّ. ليس هناك حاجة إلى ذكر أسمائكم الجسديّة التي ستفنى لأنّكم أنتم أبناء إسرائيليّون. حقـًّا يا أبنائي، أنّ الحبّ الذي بيني وبينكم ليس حبـًّا جسديـًّا لكنّه حبّ روحاني إلهيّ.

 

 

معرفة نعمة الله

 

ولهذا السَّبب لا أملّ من الصَّلاة إلى إلهي ليلاً ونهارًا من أجلكم، كي تتمكّنوا من معرفة النِّعمة التي قد عملها الله من نحوكم. لأنّه ليس في وقت واحد فقط الله خلائقه، لكن منذ بداية العالم وضع الله ترتيبًا لكلّ خلائقه وهو في كلّ جيل يوقظ كلّ شخص بواسطة فرص عديدة وبواسطة النعمة. والآن يا أبنائي لا تهملوا الصراخ إلى الله ليلاً ونهارًا لتستعطفوا صلاح الربّ، وهو في سخائه ونعمته سوف يهبكم معونة من السّماء معلّمًا إيّاكم، لكي تُدرِكوا ما هو صالح لكم.

 

 

 

قدّموا أنفسكم ذبيحة لله في كلّ قداسة

 

حقًّـا يا أبنائي إنّنا نسكن في موتنا، ونمكث في منزل اللصّ، ونحن مكبّلون برباطات الموت، فالآن إذًا، لا تعطوا نعاسًا لعيونكم ولا نومًا لأجفانكم (مز 132: 4)، حتّى تقدّموا أنفسكم ذبيحة لله في كلّ قداسة لكيما تروه، لأنّه بدون قداسة لا يستطيع أحد أن يرى الربّ كما يقول الرّسول (عب 12: 14). حقيقة يا أحبّائي في الربّ، لتكن هذه الكلمة واضحة لكم. وهي أن تفعلوا الصّلاح وهكذا تنعشون القديسين وتعطون بهجة للطغمات الملائكيّة في خدمتهم، وفرحًا لمجيء يسوع، لأنّهم لا يكفّون عن التعب في خدمتنا حتّى هذه السّاعة، وأنا أيضًا الفقير البائس السّاكن في جسد من تراب ستمنحون فرحًا لروحي.

 

 

 

حقـًّا يا أولادي أنّ مرضنا وحالتنا الوضيعة هي سبب حزن لجميع القدّيسين. وهم يبكون وينوحون لأجلنا أمام خالق الكلّ، ولهذا السَّبب يغضب الله من أعمالنا الشرّيرة بسبب تنهّدات القدّيسين، وأيضًا فإن تقدّمنا في البرّ يُعطي فرحًا لجموع القدّيسين، وهذا يجعلهم يرفعون صلوات أكثر بابتهاجٍ وتهليل عظيم أمام خالقنا. وهو نفسه خالق الجميع، يفرح بأعمالنا بشهادة قدّيسيه ويمنحنا مواهب نعمته بلا كيل.

 

 

 

محبّة الله لنا

 

لذلك عليكم أن تعرفوا أنّ الله يحبّ خلائقه بصورة دائمة، إذ إنّ جوهرهم خالد ولن يتحلّل مع أجسادهم، وقد رأى الله كيف أنّ الطبيعة العاقلة قد انحدرت كليـًّا إلى الهاوية، وماتت كليًّا، وأنّ ناموس العهد الذي فيهم قد جفّ وتوقّف. ومن صلاحه افتقد البشريّة بواسطة موسى. وأسّس موسى بيت الحقّ وأراد أن يشفي الجرح العظيم وأن يُرجعهم إلى الإتّحاد الأوّل، ولكنّه لم يستطع أن يفعل هذا فابتعد عنهم. ثمّ أيضًا جوقة الأنبياء الذين بنوا على أساس موسى ولم يستطيعوا أن يشفوا الجرح العظيم الذي لأعضائهم. ولمّا رأوا أنّ قواهم خارت اجتمع أيضًا شعوب القدّيسين بنفسٍ واحدة وقدّموا صلاة أمام خالقهم قائلين: "أليس بلسان في جلعاد؟ فلماذا لم تصعب بنت شعبي؟ داوينا بابل فلم تشفَ دعوها ولنذهب كلّ واحدٍ إلى أرضه" (إر 8: 12، 51: 9).

 

 

مجيء المسيح وموته لأجل خلاصنا

 

وجميع القدّيسين طلبوا صلاح الآب من جهّة ابنه الوحيد، لأنّه إن لم يأتِ بنفسه هنا فإنّ أحدًا من كلّ الخلائق لم يكن يستطيع أن يشفي جرح البشر العظيم. من أجل هذا تكلّم الآب في صلاحه قائلاً: "وأنت يا ابن آدم فهيّئ لنفسك آنية أسر وأذهب إلى الأسر بإرادتك" (حز 12: 3 وأيضًا إر 46: 19). أنّ الآب "لم يشفق على ابنه الوحيد بل بذله لأجل خلاصنا أجمعين" (رؤ 8: 32)، "وهو مسحوق لأجل آثامنا وبجلداته شفينا" (أش 53: 5). وهو قد جمعنا من كلّ أطراف العالم صانعًا لقلوبنا قيامة من الأرضيّات معلّمًا إيّانا أنّنا بعضنا أعضاء لبعض (أف 4: 25). كونوا حريصين يا أبنائي لئلاّ تنطبق علينا كلمة بولس بأنّ لنا صورة التقوى ولكنّنا ننكر قوّتها" (2 تي 3: 5) والآن ليمزّق كلّ واحد منكم قلبه أمام الله ويبكي أمامه قائلاً "ماذا أردّ للربّ من أجل كلّ إحساناته لي" (مز 116: 12). وإنّني أخشى أيضًا يا أولادي لئلاّ تنطبق علينا هذه الآية "ما الفائدة من دمي إذا نزلت إلى الحفرة" (مز 30: 9).

 

 

ضرورة بغضة طبيعة العالم والصَّلاة لأب الكلّ

 

حقـًّا يا أبنائي إنّني أتحدّث إليكم كما إلى حُكماء لكي تفهموا ما أقوله لكم وهذا ما أشهد به لكم: أنّ مَن لا يبغض كلّ ما يختصّ بطبيعة المُقتنيات الأرضيّة ويزهدها مع كلّ أعمالها من كلّ قلبه ويبسط يدي قلبه إلى السّماء إلى أب الكلّ فلن يستطيع أن يخلص.

 

 

مجيء الرّوح القدس إلينا ليسكن فينا

 

أمّا إذا تمّم ما قد قلته فإنّ الله يترأّف على تعبه ويمنحه ناره غير المرئيّة التي ستحرق كلّ الشّوائب منه، وسوف تتطهّر روحنا؛ وعندئذ يسكن فينا الرّوح القدس ويمكث يسوع معنا، وهكذا سنكون قادرين أن نسجد للآب كما يحقّ. لكن إن بقينا متصالحين مع طبائع العالم، فإنّنا نكون أعداء الله ولملائكته ولجميع قدّيسيه.

 

 

لا تهملوا خلاصكم وتمثّلوا بأعمال القدّيسين

 

والآن يا أحبّائي أتوسّل إليكم باسم ربّنا يسوع المسيح، ألا تهملوا خلاصكم وألاّ تحرمكم هذه الحياة السّريعة الزّوال من الحياة الأبديّة، ولا يحرمكم هذا الجسد الفاسد من مملكة النّور التي لا تحدّ ولا توصف، ولا هذا الكرسيّ الهالك أن ينزلكم عن كراسي محفل الملائكة. حقـًّا يا أبنائي إنّ قلبي مندهش وروحي مرتعبة، لأنّنا أُعطينا الحريّة أن نختار وأن نعمل أعمال القدّيسين، ولكنّنا قد سكّرنا بالأهواء والشّهوات - كالسكارى بالخمر - لأنّ كلّ واحد منّا قد باع نفسه بمحضِ إرادته وقد صرنا مستعبدين باختيارنا، ونحن لا نريد أن نرفع عيوننا إلى السّماء لنطلب مجد السّماء، وعمل كلّ القدّيسين، ولا أن نسير في إثر خطواتهم.

 

 

لذلك افهموا الآن أنّه سواء أكانت االسّماء المقدّسة أو الملائكة أو رؤساء الملائكة أو العروش أو السَّلاطين أو الشّاروبيم أو السّيرافيم أو الشّمس أو القمر أو النجوم أو البطاركة أو الأنبياء أو الرّسل أو إبليس أو الشيطان أو الأرواح الشّريرة أو قوّات الهواء... أو سواء رجل أو امرأة كلّ هؤلاء في بدء خلقتهم نشأوا من مصدر واحد كلّهم، وهو الثالوث كلّي القداسة الآب والابن والرّوح القدس. وبسبب سلوك بعضهم الشّرير صار من الضروريّ أن يعطي الله أسماء لكلّ نوع منهم طبقـًا لأعمالهم. وأولئك الذين تقدّموا كثيرًا أعطاهم مجدًا فائقـًا.

 

 

 

الرسالة السادسة

 

 

       من أنطونيوس إلى جَميع الإخوَة الأعزّاء الذين في أرسينوي وما حولها، وإلى أولئِكَ الذين معكم، سلام لكم، إليكم جميعًا يا مَن أعددتم أنفسَكم لتأتوا إلى الله. أحيّيكم يا أحبّائي في الربّ من أصغركم إلى أكبركم، رِجالًا ونساءً، أنتم الأبناء الإسرائيليّون القدّيسون في جوهركم العقليّ. حقيقة يا أبنائي أنّ غبطة عظيمة قد أتت إليكم، فما أعظم النِعمة التي حلّت عليكم في أيّامكم هذه. ويليق بكم بسببه هو (المسيح) الذي قد افتقدكم، أن لا تكلّوا في جهادكم حتّى تقدّموا أنفسكم ذبيحة لله في كلّ قداسة. فإنّها بدونها لا يستطيع أحد أن ينال الميراث.

 

جوهر الإنسان وسقوطه

 

حقـًّا يا أحبّائي أنّ هذا أمرٌ عظيمٌ لكم، أن تطلبوا ما يختصّ بفهم الجوهر العقليّ الذي لا يوجد فيه ذكر أو أنثى، لكنّه كيان غير مائت له بداية لكن ليس له نهاية. وأن تعلموا أنّ هذا الجوهر العقليّ قد سقط في الهوان والعار العظيم الذي قد أتى علينا جَميعًا لكنّه جوهر غير مائت لا يفنى مع الجسد ولذلك رأى الله أنّ جرحه غير قابل للشّفاء. ولأنّه كان جرحًا خطيرًا هكذا، فإن الله افتقد البشر برحمته ومن صلاحه بعد مرور عدّة أزمنة، سلّم لهم ناموسًا لِمساعدتهم بواسطة موسى مُعطي الناموس، وأسّس موسى لهم بيت الحقّ وأراد أن يشفي ذلك الجرح العظيم ولم يستطع أن يكمِّل بناء هذا البيت.

 

مجيء المخلّص لشفاء نفوسنا

 

ومرّة أخرى اجتمعت معًا جوقات القدّيسين (الأنبياء) وطلبوا الآب بخصوص مخلّصنا، لكي يأتي إلينا لأجل خلاصنا جَميعًا. لأنّه هو رئيس كهنتنا والأمين والطبيب الحقيقيّ الذي يستطيع أن يشفي الجرح العظيم. لذلك حسب إرادة الآب، أخلى نفسه من مجده. لقد كان إلهًا وأخذ صورة عبد (في 2/ 7، 8). لقد أخذ جسدنا وبذل نفسه لأجل خطايانا، وآثامنا سحقته، وبجراحاته شُفينا جَميعًا (أش 53/ 5).

 

لذلك يا أبنائي الأعزّاء في الربّ أريدكم أن تعرفوا، أنّه بسبب جهالتنا أخذ شكل الجهالة، وبسبب ضعفنا أخذ شكل الضعف، وبسبب فقرِنا أخذ شكل الفقر، وبسبب موتنا لبس صورة المائت وذاق الموت، واحتملَ كلّ هذا من أجلنا. حقـًّا يا أحبّائي في الربّ يجب ألا نُعطي نومًا لعيوننا ولا نعاسًا لأجفاننا (مز 132/ 4) لكن يجب علينا أن نصلّي ونطلب بلجاجة إلى صلاح الآب حتّى ننال رحمة، وبهذه الطريقة سوف يتجدّد حضور المسيح (فينا) ونُعطى قوّة لِخدمة القدّيسين، الذين يعملون لأجلنا على الأرض في وقت تراخينا، وسوف نحثّهم ليتحرّكوا إلى مساعدتنا وقت ضيقنا. حينئذٍ يفرح الزّارعُ والحاصدُ معًا.

 

 

حيل الشّيطان لإهلاكنا

 

أريدكم أن تعلموا يا أبنائي، حزني العظيم الذي أشعر به لأجلكم حينما أرى الاضطراب العظيم الآتي علينا وأفكّر في تعب القدّيسين وتنهدّاتهم التي ينطقون بها أمام الله من أجلنا، لأنّهم يشاهدون كلّ أتعاب  خالقهم وعمله لأجل خلاصنا، وكلّ المشورات الشرّيرة التي لإبليس وخدّامه والشرّ الذي يفكّرون فيه دائِمًا لأجلِ هلاكنا منذ صار نصيبهم في جهنّم، ولأجل هذا السبب يريدوننا أن نهلك معهم وأن نكون مع جمعهم الكثير. حقـًّا يا أحبّائي في الربّ أتحدّث إليكم كما إلى رجالٍ حكماء لكيما تعرفوا تدبيرات خالقنا التي جعلها لأجلنا، والتي تُعطى لنا بواسطة البشارة الظاهرة والخفيّة.

 

 

لأنّنا ندعى عاقلون، لكنّنا قد لبسنا حالة الكائنات غير العاقلة بسبب ميلنا مع العدوّ، أم لستم تعلمون كيف تكون حيل الشيطان وفنونه الكثيرة، لأنّ الأرواح الشرّيرة تحسدنا منذ أن عرفوا أنّنا حاولنا أن نرى عارنا وخزينا وقد بحثنا عن طريقة للهروب من أعمالهم التي يعملونها معنا، ولم نحاول فقط أن نرفض مشوراتهم التي يزرعونها فينا بل أنَّ كثيرين منّا يهزأون بحيلهم. والشّياطين تعرف إحسان خالقنا في هذا العالم، وإنّه قد حكم عليهم بالموت وأعدّ لهم جهنّم ليرثوها بسبب غفلتهم وكثرة خبثهم.

 

أريدكم أن تعلموا يا أبنائي أنّني لا أكفُّ عن التّوسل لله لأجلكم ليلا ً ونهارًا لكي يفتح عيون قلوبكم حتّى تبصروا كثرة خبث الشّياطين الخفيّ وشرّهم الذي يجلبونه علينا كلّ يوم في هذا الوقت الحاضر. وأرجو الله أن يمنحكم قلب معرفة وروح تمييز حتّى تستطيعوا أن تقدّموا قلوبكم كذبيحة نقيّة أمام الآب في قداسة عظيمة بلا عيب.

 

حقـًّا يا أبنائي، أنّ الشّياطين تحسدنا في كلّ الأوقات بمشورتهم الشرّيرة واضطهاداتهم الخفيّة ومكرهم الخبيث وروح الإغراء، وأفكارهم التجديفيّة وعصيانهم، وكلّ الشرور التي يبذرونها في قلوبنا كلّ يوم، وقساوة القلب والأحزان الكثيرة التي يجلبونها علينا في كلّ ساعة، والمخاوف التي بها يجعلون قلوبنا تضعف يوميًّا، وكلّ غضب وذمّ بعضنا لبعض الذي يعلّموننا إيّاه، وكلّ تبرير لذواتنا في كلّ ما نفعل، والإدانة التي يدخلونها في قلوبنا، التي تجعلنا عندما نجلس منفردين، أن ندين إخوتنا بالرّغم من عدم سكناهم معنا، والاحتقار الذي يضعوه في قلوبنا بواسطة الكبرياء عندما نكون قساة القلوب ونحتقر بعضنا البعض، وعندما تكون عندنا مرارة ضدّ بعضنا البعض بكلماتنا القاسية، وعندما نحزن في كلّ ساعة، وعندما نتهّم بعضنا البعض، ولا نلوم أنفسَنا ظانّين أنّ إخوتنا هم سبب متاعبنا، بينما نحن جالسون نصدر أحكامنا على ما يظهر خارجًا (الأشياء الظاهرة)، بينما السّارق موجود بكلّيته داخل بيتنا، وكلّ المجادلات والانقسامات (في الرّأي) التي نتجادل بها مع بعضنا البعض إنّما تهدف إلى إثبات كلمة ذواتنا لنظهر مبرّرين أمام بعضنا البعض.

 

التوسّل لطلب المعونة للخلاص

 

إنّ الأرواح الشرّيرة تجعلنا نتحمّس لأعمال لا نستطيع القيام بها. بينما تتسبب في أن نفشل ونخور في المهام التي في أيدينا والتي هي نافعة لنفوسنا، لذلك فإنّهم يجعلوننا نضحك في وقت البكاء ونبكي في وقت الضحك وهكذا ببساطة، فإنّهم يحوِّلوننا كلّ مرّة عن الطريق الصّحيح. وتوجد خداعات أخرى كثيرة يجعلوننا بواسطتها عبيدًا لهم، لكن لا يوجد وقت الآن لكي نصف كلّ هذه. لكنّهم عندما يملأون قلوبنا بهذه الخدع (الحيل) فإنّنا نتغذ ّى بها، فتصير طعامًا لنا، ومع ذلك فإنّ الله يصبر علينا ويفتقدنا لكي نتركها ونرجع إليه. هذا وإنّ أعمالنا الشرّيرة التي ارتكبناها ستظهر لنا في جسدنا وستلبس نفوسنا هذا الجسد مرّة أخرى، لأنّ الله بصبره يسمح بذلك، فتصير أواخرنا (في هذه الحالة) أشرّ من أوائلنا (متى 12/ 45). لذلك لا تملّوا من التّوسّل والصّلاة إلى صلاح الآب حتّى إذا أتتكم معونته، تستطيعون

أن تُعلِموا نفوسَكم ما هو الصّواب.

 

 

سلطان الشيطان على مَن يُستعبد لشهواته ويُبرّر نفسه بأعماله الظاهرة

 

 حقـًّا أخبركم يا أبنائي أن هذا الإناء الذي نسكن فيه هو هلاك لنا، وبيت مملوء بالحرب. بالحقيقة يا أبنائي، أخبركم بأنّ الإنسان الذي يُسرّ بإرادته الذاتيّة ويُستعبد لأفكاره ويقبل الأشياء التي زُرِعت في قلبه ويلتذ بها، ويتصوّر في قلبه أنّ هذه الأفكار سرّ شيء عظيم ممتاز، ويبرّر نفسه بأعماله الظاهرة فإن نفس هذا الإنسان تكون مأوى للأرواح الشرّيرة التي تعلمه وتقوده إلى الشرّ، وجسده يمتلئ بنجاسات شرّيرة يخفيها في داخله: ويصير للشّياطين سلطان عظيم على مثل هذا الإنسان لأنّه لم ينفر منهم ولم يخزهم أمام الناس.

 

 

متى نصير أجسادًا للشياطين.

 

ألا تعرفون أنّ الشّياطين ليس لهم طريقة واحدة للاصطياد، حتّى يمكننا معرفتها والهروب منها؟

أنتم تعرفون أن شرّهم وإثمهم غير ظاهرين بشكل منظور، لأنّهم ليسوا أجسامًا منظورة، ولكن ينبغي أن تعرفوا بأنّنا نصير أجسادًا لهم حينما تقبل نفوسنا أفكارهم المظلمة الشرّيرة، وعندئذٍ يصيرون هم ظاهرين بواسطة جسدنا الذي نسكن فيه. فالآن إذن يا أبنائي، دعونا لا نعطيهم مكانًا فينا، لئلا يأتي غضب الله علينا، أمّا هم فسيمضون إلى موضعهم وهم يضحكون ساخرين بنا.

 

 

محبّة الإخوة.

 

وهم يعلمون أنّ هلاكنا هو من طريق (بغضة) قريبنا، وأنّ حياتنا أيضًا وخلاصنا هي من طريق (محبّة) قريبنا. من رأى الله قط، حتّى يفرح معه ويحتفظ به داخل نفسه، حتّى أنّ الله لا يمكن أن يفارقه، بل يعينه أثناء سُكناه في هذا الجسد الثقيل؟ أو من رأى قط شيطانًا في محاربته ضدّنا، عندما يمنعنا من عمل الصّلاح ويهاجمنا، واقفـًا في مواجهتنا بشكل محسوس، لكي نخاف منه ونهرب منه؟ فإنّ الشّياطين يعملون خفية، ونحن نجعلهم ظاهرين بواسطة أعمالنا. وهم جميعًا من مصدر واحد في جوهرهم العقليّ، ولكنّهم عندما ابتعدوا عن الله صاروا أنواعًا متعدّدة عن طريق تنوّع أعمال شرّهم.

 

 

أنواع الملائكة الأبرار والأشرار

 

ولذلك أُعطيَت لهم (الملائكة الأبرار والأشرار) أسماء مختلفة على حسب نوع عمل كلّ واحد منهم. فالبعض من الملائكة (الأبرار) يُسمّون رؤساء ملائكة، والبعض منهم كراسي وربوبيات، والبعض رئاسات وسلاطين والشّاروبيم، وهذه الأسماء أُعطِيَت لهم حين حفظوا مشيئة خالقهم. ومن الجهّة الأخرى فإنّ شرّ الآخرين (الملائكة السّاقطين) جعل من الضروريّ تسميتهم بأسماء: إبليس والشّيطان، بسبب حالتهم الشرّيرة، والبعض منهم دُعوا شياطين، والبعض أرواح شرّيرة وأرواح نجسة، والبعض أرواح مُضلّة، والبعض دُعوا باسم رؤساء هذا العالم. وتوجد أيضًا أنواع أخرى كثيرة منهم.

 

 

ويوجد أيضًا بين البشر الذين سكنوا في هذا الجسد الثقيل، هذا الذي نسكن فيه، من قد قاوموا الشّياطين، والبعض من هؤلاء البشر دعوا رؤساء آباء، والبعض أنبياء وملوك وكهنة وقضاة ورسل، وآخرون كثيرون صاروا مختارين بسبب صلاحهم. وسواء كانوا رجالا ً أم نساءً، فقد أُعطِيَت لهم كلّ هذه الأسماء على حسب نوع أعمالهم، ولكنّهم جميعًا هم من واحد.

 

 

المحبّة للغير محبّة لنفوسنا والعكس

 

لذلك فلأجل هذا السبب، أنّ الذي يُخطئ ضدّ نفسه، والذي يفعل شرًّا بقريبه فإنّه يفعل شرّاً بنفسه، والذي يصنع خيرًا بقريبه يصنع خيرًا لنفسه. ومن جهّة أخرى، من الذي يستطيع أن يفعل شرًّا بالله أو مَن هو الذي يستطيع أن يؤذيه أو مَن يستطيع أن يُغنيه أو مَن يستطيع قط ّ أن يخدمه أو مَن يستطيع قط ّ أن يباركه؛ كأنّ الله محتاجٌ إلى مُباركة البشر وشكرهم، أو مَن الذي يستطيع أن يكرّم الله الإكرام الذي يليق به أو أن يمجّده بالمجد الذي يستحقـّه؟

 

 

لذلك ففي أثناء غُربتنا ونحن لابسون هذا الجسد الثقيل، فلنعطِ الفرصة لله لكي يكون حيًّا وفعّالا ً وحاضِرًا في نفوسنا عن طريق حثّ وتحريض بعضنا البعض. ولنبذل ذواتنا حتّى الموت لأجل نفوسنا ولأجل بعضنا البعض، فإذا فعلنا هذا فإنّنا بذلك نُظهر طبيعة رحمة الله وحنانه من نحونا. فلا نكن محبّين لذواتنا لكي لا نكون مستعبدين لسلطانها المتقلّب غير الثابت. لذلك فإنّ مَن يعرف نفسه، فهو يعرف جميع الناس. لذلك مكتوب "إنّ الله دعا كلّ الأشياء من العدم إلى الوجود" (حكمة 1: 14). ومثل هذه الشّهادات تشير إلى طبيعتنا العقليّة المختفية في هذا الجسد الفاسد، ولكنّها ليست منتمية إليه منذ البداية بل سوف تتحرّر منه. ولكن مَن يستطيع أن يحبّ نفسه يحبّ كلّ الناس.

 

 

 

قدّموا جسدكم مذبحًا واطلبوا النار الإلهيّة

 

يا أبنائي الأعزّاء، إنّني أصلّي لكي لا يكون هذا الأمر شاقـًّا عليكم ومتعبًا لكم، ولكي لا تكلّوا وتضجروا من محبّة بعضكم البعض. يا أبنائي إرفعوا وقدّموا جسدَكم هذا الذي تلبسونه، واجعلوا منه مذبحًا (لإحراق البخور)، وضعوا عليه كلّ أفكاركم واتركوا عليه أمام الربّ كلّ مشورة شرّيرة، وارفعوا يديّ قلوبكم إلى الله – العقل الخالق – متوسّلين إليه بالصّلاة، أن يرسل عليكم من الأعالي ويُنعم عليكم من الأعالي ويُنعم عليكم بناره غير المرئيّة العظيمة، لكي تنزل من السّماء وتحرق كلّ ما هو موضوع على المذبح، وتطهّر المذبح، وبذلك فإنّ كهنة البعل – الذين هم أعمال العدوّ المُضادة  سيخافون ويهربون من أمام وجوهكم، كهروبهم أمام وجه إيليّا (1مل 18/ 38-44) وحينئذٍ ستبصرون سحابة "قدّ كفّ إنسان" صاعدة من البحر، وهي التي ستأتي إليكم بالمطر الرّوحانيّ ليسقط عليكم، الذي هو تعزية الرّوح المعزّي.

 

 

معونة القوّة الإلهيّة للإنسان

 

يا أبنائي الأعزّاء في الربّ، الأبناء الإسرائيليّون القدّيسون، إنّه لا توجد حاجة إلى تسمية أسماءكم الجسديّة، التي ستمضي وتنتهي. ولكنّكم تعرفون مقدار المحبّة التي بيني وبينكم، وهي ليست محبّة جسديّة، بل محبّة روحيّة إلهيّة.

 

وإنّي واثق تمامًا أنّكم قد نلتم نعمة وغبطة عظيمة، عن طريق إكتشافكم لخزيكم وعاركم الخاص بكم، واهتمامكم بتقوية وتشديد وثبات جوهركم غير المنظور (إنسانكم الباطن) الذي لا يفنى ولا يضمحلّ مع الجسد. وبهذه الطريقة أعتقد أنّكم تحصلون على النّعمة والبركة والغبطة من هذا الزمان الحاضر.

 

لذلك فلتكن هذه الكلمة واضحة دائمًا أمامكم وهي أن لا تظنّوا، في تقدّمكم (في النّعمة) وسيركم في الطريق (الرّوحي)، أنّ هذا هو من فضل أعمالكم، بل افهموا أنّ الفضل في هذا يرجع إلى قوّة إلهيّة مقدّسة تشترك معكم وتعينكم دائمًا في كلّ أعمالكم. اجتهدوا أن تقدّموا ذواتكم كذبيحة لله دائمًا. واعطوا فرحًا لتلك القوّة التي تُعينكم، وابهجوا قلب الله في مجيئه، وكذلك كلّ جماعة القدّيسين، وأعطوا فرحًا لي أنا أيضًا - أنا المسكين البائس -  الذي أسكن في هذا المسكن المصنوع من طين وظُلمة. من أجل هذا فأنا أخبركم بهذه الأمور، لكي أنعش وأعزّي نفوسكم، وأصلّي، حيث أنّنا جميعًا من نفس الجوهر غير المنظور – الذي له بداية ولكنّه بلا نهاية – أن نحبّ بعضنا بعضًا بمحبّة واحدة. لأنّ كلّ الذين عرفوا أنفسهم، يعرفون أنّهم جميعًا من جوهر واحد عديم الموت.

 

 

المسيح رأسنا ، وضرورة المحبّة بقوّة

 

وأريدكم أن تعرفوا هذا، أنّ يسوع المسيح ربّنا، هو نفسه عقل الآب الحقيقيّ وبه قد خلِقت كلّ الخلائق العاقلة على مثال صورته، وإنّه هو نفسه، رأس الخليقة، ورأس جسده أي الكنيسة (كو 1/ 15-18). لذلك فإنّنا جميعًا أعضاء بعضنا البعض ونحن جسد المسيح.

 

والرأس لا تستطيع أن تقول للقدمين، لا حاجة لي إليكما، وإن كان عضوٌ واحد يتألم، فالجسد كلّه يتألم معه (أف 4/ 25، 1كو 12/ 26، 27). أمّا إذا انفصل عضو وخرج من الجسد ولم يعد له اتّصال بالرّأس، بل يجد مسرّته في أهواء وشهوات نفسه وجسده، فهذا معناه أنّ جرحه عديم الشّفاء، وقد نسي أصل حياته وبدايتها ونسي نهايتها وغايتها.

 

ولذلك فإنّ آب الخليقة كلّها قد تحرّك بالحنوّ والرّحمة نحو جرحنا هذا، الذي لم يستطع أحد من الخلائق أن يشفيه، ولكنَّ شفاءه هو بصلاح الآب وحده. الذي بصلاحه ومحبّته، أرسل لنا ابنه الوحيد، الذي من أجل عبوديّتنا أخذ صورة العبد (في 2/ 7)، وبذل نفسه من أجل خطايانا، مسحوقـًا لأجل آثامنا، وبجرحه شفينا جميعًا (أش 53/ 5)، وهو جمعنا من كلّ الجهّات لكي يصنع قيامة لقلوبنا من الأرض ويعلّمنا أنّنا جَميعًا من جوهر واحد وأعضاء بعضنا البعض. لذلك ينبغي علينا أن نحبَّ بعضنا بعضًا بقوّة عظيمة. فإنّ الذي يحبّ أخاه، يحبّ الله، والذي يحبّ الله فإنّه يحبّ نفسه.

 

 

قدّموا ذواتكم – اطلبوا القوّة من الأعالي

 

لتكن هذه الكلمة ظاهرة أمامكم، يا أبنائي الأعزّاء في الربّ – الأبناء الإسرائيليّون القدّيسون وأعدّوا أنفسكم للمجيء إلى الربّ، لتقدّموا ذواتكم كذبائح لله بكلّ نقاوة، تلك التي لا يستطيع أحد أن يحصل عليها بدون تطهير. أم تجهلون يا أحبّائي، أنّ أعداء الصّلاح يتآمرون دائمًا، مدبّرين شرورًا ضدّ الحقّ؟

لأجل هذا أيضًا يا أحبّائي، كونوا حريصين، ولا تعطوا عيونكم نومًا، ولا أجفانكم نعاسًا (مز 132/ 4).

 

واصرخوا إلى خالقكم نهارًا وليلاً، لكي تأتيكم القوّة والمعونة من الأعالي، وتحيط وتحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح. حقـًّا يا أبنائي إنّنا متغرّبون الآن في بيت السَّارق، ومربوطون بربطات الموت. أقول لكم بالحقيقة، يا أحبّائي، أن إهمالنا وحالتنا الوضيعة وانحرافنا عن طريق الربّ، ليست خسارة وهلاك لنفوسنا فقط، ولكنّها أيضًا سبب حزن وتعب للملائكة ولجميع القدّيسين في المسيح يسوع. حقـًّا يا أبنائي، أنّ انحطاطنا واستعبادنا ـ يسبّبان حزنًا عظيمًا، كما أن خلاصنا وسموّنا ومجدنا هي سبب فرح وتهليل لهم جميعًا.

 

محبّة الآب لا تتوقّف

 

إعلموا أنّ محبّة الآب ورأفته لا تتوقـّف أبدًا، فمنذ بداية تحرّكه بالمحبّة من نحونا وإلى اليوم، وهو لا يكفّ عن العمل لخيرنا وخلاصنا، لكي لا نجلب الموت على أنفسنا بسبب سوء استعمال الإرادة الحرّة التي خلقنا بها. لأجل هذا فإنّ الملائكة أيضًا يحيطون بنا في كلّ الأوقات كما هو مكتوب "ملاك الربّ حالّ حول خائفيه وينجّيهم" (مز 34/ 7).

 

والآن يا أحبّائي أريدكم أن تعرفوا، أنّه منذ بدأت حركة محبّة الله نحونا حتّى الآن، فإنّ كلّ الذين ابتعدوا عن الصّلاح وسلكوا في الشرّ، يُحسبون أنّهم أبناء إبليس، وجنود إبليس يعرفون ذلك ولهذا السبب يحاولون أن يحوّلوا كلّ واحد منّا لنسير في طريقهم.

 

الكبرياء والبغضة تقطعنا عن الله

 

ولأنَّ الشّياطين يعرفون، أنّ إبليس سقط من السّماء عن طريق الكبرياء، لهذا السبب أيضًا فإنّهم يهاجمون أوّلا ً، أولئِكَ الذين بلغوا درجة عالية (في الفضيلة)، محاولين  بواسطة الكبرياء والمجد الباطل  أن يحرّكوهم الواحد ضدّ الآخر. وهم يعرفون إنّهم بهذه الطريقة يستطيعون أن يقطعونا عن الله، لأنّهم يعلمون أنّ من يحبّ أخاه يحبّ الله. ولهذا السبب فإنّ أعداء الصّلاح يزرعون روح الانقسام في قلوبنا، لكي نمتلئ بعداوة وبغضة شديدة ضدّ بعضنا البعض، لدرجة أنّ الإنسان في هذه الحالة لا يستطيع أحيانًا أن يرى أخاه أو أن يحدّثه ولو من بعيد.

 

 

أهميّة التّمييز والتواضع

 

حقـًّا، يا أبنائي، إنّي أريدكم أن تعرفوا أنّ كثيرين قد سلكوا طريق النّسك طوال حياتهم، ولكن نقص التّمييز والإفراز تسبّب في موتهم. حقـًّا يا أبنائي، إنّكم إذا أهملتم نفوسَكم، ولم تميّزوا أعمالكم وتمتحنوها فلا أظنُّ أنّه يكون أمرًا عجيبًا أن تسقطوا في يديّ إبليس بينما أنتم تظنّون أنّكم قريبون من الله، وبينما أنتم تنتظرون النّور تستولي عليكم الظّلمة. فأي احتياج كان ليسوع حتّى يمنطق نفسه بمنشفة ويغسل أرجل من هم أقلّ منه. إلاّ لكيّ يُعطينا مِثالاً، ولكيّ يعلّم أولئكَ الذين سيأتون ويتحوّلون إليه لينالوا منه الحياة من جديد؟ (يو 13/ 4-17). لأنّ بداية حركة الشرّ كانت هي الكبرياء التي حدثت أوّلاً. ولهذا فبدون اتّضاع عظيم بكلّ القلب والعقل والرّوح والنّفس والجسد، لن تستطيعوا أن ترثوا ملكوت الله.

 

 

من يعرف موته يعرف حياته الأبديّة

 

حقـًّا يا أبنائي في الربّ، إنّي أصلّي نهارًا وليلا ً إلى إلهي الذي نلت منه عربون الرّوح (2كو 1/ 22)، أن يفتح عيون قلوبكم لتعرفوا المحبّة التي عندي من نحوكم، ويفتح آذان نفوسكم لكيّ تكتشفوا ارتباككم. فإنّ مَن يعرف خزيه، فإنّه يسعى من جديد لطلب النعمة التي وهِبت له: والذي يعرف موته يعرف أيضًا حياته الأبديّة.

 

التطلّع للرؤيا وجهًا لوجه

 

إنّي أكلّمكم يا أبنائي، كأناسٍ حكماء: إنّي أخاف لئلاّ يستولي عليكم الجوع في الطريق، بينما كان من المفروض أن نصير أغنياء. كنتُ أرجو أن أراكم وجهًا لوجه في الجسد. ولكنّني أتطلّع إلى الأمام، إلى الوقت القريب، الذي فيه سنصير قادرين على أن نرى بعضنا البعض وجهًا لوجه حينما يهرب الألم والحزن والتنهّد، ويكون الفرح على رؤوس الجميع (أش 35/ 10).

وهناك أمور أخرى كثيرة أريد أن أخبركم بها. ولكن "أعطِ فرصة حكمة للحكيم فيزداد حكمة" (أم 9/ 9).

سلامي لكم جميعًا، يا أبنائي الأعزّاء كلّ واحد باسمه.

 

الى الاعلى

 

الرسالة السابعة

 

 

 

السّقوط والنّعمة

 

أبنائي "إنّكم تعرفون نعمة ربّنا يسوع المسيح إنّه من أجلنا افتقر وهو غنى لكي نستغني نحن بفقره" (2 كور 8: 9). أنظروا إنّه قد صار عبدًا، فجعلنا أحرارًا بعبوديّته، وضعفه قد شدّدنا وأعطانا القوّة، وجهالته قد جعلتنا حُكماء. وأيضًا بموته صنع قيامة لنا. حتّى نستطيع أن نرفع صوتنا عاليًا ونقول "وإن كنّا قد عَرَفْنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرِفه بعد كذلك، ولكن إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" (2 كور 5: 16 - 17).

 

 

حقـًّا يا أبنائي الأحبّاء في الربّ، إنّي أخبركم أنّه فيما يخصّ نواحي الحريّة التي تحرَّرنا بها، فلا يزال عندي أشياء أخرى كثيرة لأقولها لكم، ولكن ليس هناك وقت الآن لذلك. الآن أُحَييكم جميعًا يا أبنائي الأعزاء في الربّ، أيّها الأبناء القدّيسون الإسرائيليّون في جوهركم العقليّ (حسب حياتكم الرّوحيّة).

 

حقـًّا إنّه من المناسب لكم، يا من اقتربتم من خالقكم، أن تطلبوا خلاص أنفسكم بواسطة ناموس العهد المغروس (في الداخل). ذلك الناموس الذي جفّ وتوقّف بسبب كثرة الإثم، وإثارة الشرّ، واشتعال الشّهوات، وانعدمت حواس النّفس، ولذلك لم نعد قادرين على إدراك الجوهر العقلي المجيد (الإنسان الباطن)، بسبب الموت الذي سقطنا فيه. لذلك كما هو مكتوب في الكتب الإلهيّة "كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيَحيا الجميع" (1 كور 15: 22).

 

لذلك فإنّه هو الآن حياة كلّ طبيعة عاقلة مخلوقة على مثال صورته، وهو نفسه (المسيح) عقل الآب وصورته غير المتغيّرة (عب 1: 3). أمّا المخلوقات المصنوعة على صورته فإنّها من طبيعة متغيّرة لأنّ الشرّ قد دخل فينا، وبه متنا جميعًا، حيث إنّه غريب عن طبيعة جوهرنا العقلي (الرّوحي). ومن خلال كلّ ما هو غريب عن طبيعتنا، صنعنا لأنفسنا منزلاً مُظلمًا ومملوءًا بالحروب. وأشهد الآن لكم أنّنا قد فقدنا كلّ معرفة الفضيلة. ولذلك فإنّ الله أبونا رأى ضعفنا، ورأى أنّنا أصبحنا غير قادرين أن نلبس لباس الحقّ بطريقة سليمة، لذلك جاء لكي يفتقد خلائقه بواسطة خدمة قدّيسيه.

 

 

محبّة الله غير المحدودة

 

أتوسّل إليكم جميعًا في الربّ، يا أحبّائي، أن تفهموا ما أكتبه لكم، لأنّ محبّتي لكم ليست محبّة جسديّة، بل محبّة روحيّة إلهيّة. لذلك أعدّوا أنفسكم للمجيء إلى خالقكم، "ومزّقوا قلوبكم لا ثيابكم" (يؤ 2: 13)؛ واسألوا أنفسكم ماذا نستطيع "أن نَرُدَّ للربّ من أجل إحساناته لنا" (مز 116: 11)، الذي حتّى ونحن في مسكننا هنا، وفي مذلّتنا، ذكرنا في صلاحه العظيم وحبّه غير المحدود "ولم يصنع معنا حسب خطايانا" (مز 103: 10)، وهو الذي سخّر لنا الشّمس لتخدمنا في بيتنا المظلم هذا، وعين القمر وجميع الكواكب لأجل خدمتنا، وجعلهم يخضعون للبطل الذي سيَبطُل (رؤ 8: 20) وذلك لأجل تقوية أجسادنا. وتوجد أيضًا قوّات أخرى كثيرة قد جعلها لخدمتنا وهي قوّات لا نراها بالعين الجسديّة.

 

 

والآن بماذا سنجيب الله في يوم الدينونة، وأيّ خير ينقصنا، وهو لم يهبنا إيّاه؟ ألم يتألّم رؤساء الآباء لأجلنا ألم يمت الأنبياء لأجل خدمتنا؟ أو لم يُضطهد الرّسل من أجلنا؟ أو لم يمت ابنه المحبوب لأجلنا أجمعين؟ والآن ينبغي أن نعد أنفسنا لملاقاة خالقنا في قداسة. لأنّ الخالق رأى خلائقه - وحتّى القدّيسين - لم يستطيعوا أن يشفوا الجرح العظيم الذي لأعضائهم. لذلك لكونه أب المخلوقات، فإنّه عرف ضعف طبيعتهم جميعًا، وأظهر لهم رحمته، بحسب محبّته العظيمة. ولم يشفق على ابنه الوحيد لأجل خلاصنا جميعًا بل بذله لأجل خطايانا (رؤ 8: 32). وهو مسحوق بآثامنا وبجلداته شفينا (أش 53: 4). وجمعنا من كلّ الجهات بكلمة قدرته، حتّى يصنع قيامة لعقولنا (أرواحنا) من الأرض، معلّمًا إيّانا أنّنا "أعضاء بعضنا لبعض" (أف 4: 25).

 

 

معرفة تدبير يسوع لأجلنا

 

لذلك يجب علينا في اقترابنا من الله أن ندرّب عقولنا وحواسّنا لنفهم ونميّز الفرق بين الخير والشرّ، ولكي نعرف تدبير يسوع الذي صنعه في مجيئه، كيف أنّه جُعل مثلنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة وحدها (عب 4: 14). ولكن بسبب إثمنا العظيم، وإثارة الشرّ، وتقلّباتنا المُحزنة، فإنّ مجيء يسوع صار جهالة في نظر البعض، وللبعض عثرة، وأمّا للبعض الآخرين فهو ربح، وللبعض حكمة وقوّة، وللبعض قيامة وحياة (1 كور 1: 23 - 42).

 

 

وليكن هذا واضحًا لكم، أنّ مجيئه قد صار دينونة لكلّ العالم. لأنّه يقول "ها أيّام ستأتي يقول الربّ، وسيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، ولا يعلمون كلّ واحد قريبه وكلّ واحد أخاه قائلاً إعرف الربّ؛ وسأجعل اسمي يصل إلى كلّ أطراف الأرض: لكي يسدّ كلّ فم ويصير كلّ العالم تحت قصاص من الله؛ لأنّهم لمّا عرفوا الله لم يمجّدوه أو يشكروه كإله" (إر 31: 43، رؤ 3: 19، 1: 21). وبسبب غباوتهم لم يستطيعوا معرفة حكمته، بل أنّ كلّ واحد منّا باع نفسه لعمل الشرّ بإرادته وصار عبدًا للخطيئة.

 

الحريّة بالمسيح

 

لهذا السبب أخلى يسوع نفسه وأخذ صورة عبد (في 2: 7)، لكيما يحرِّرنا بعبوديّته. ونحن قد صرنا أغنياء، وفي غباوتنا وجهالتنا ارتكبنا كلّ أنواع الشرّ، ولذلك أخذ شكل الجهالة حتّى بجهالته نُصبح حُكماء. وقد صرنا فقراء وفي فقرنا افتقرنا إلى كلّ صلاح وفضيلة، لذلك أخذ شكل الفقر لكي بفقره نصبح أغنياء في كلّ حكمة وفهم (2 كور 8: 9). وليس هذا فقط بل إنّه أخذ شكل ضعفنا حتّى بضعفه نصبح أقوياء. وأطاع الآب في كلّ شيء حتّى الموت موت الصّليب (في 2: 8)، لكي بموته يُقيمنا جميعًا. لكي يُبيد ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس (عب 2: 14). فإذا تحرّرنا بالحقيقة بواسطة مجيئه وتشبّهنا بتواضعه فإنّنا نصير تلاميذ للمسيح، ونرث معه الميراث الإلهيّ.

 

 

حقـًّا يا أحبّائي في الربّ إنّني منزعج جدًّا ومضطرب في روحي لأنّنا نلبس ثوب الرّهبنة ولنا اسم القدّيسين، ونفتخر بهذا أمام غير المؤمنين. وإنّني أخشى لئلاّ تنطبق علينا كلمة بولس الذي يقول لهم صورة التقوى ولكنّهم ينكرون قوّتها" (2 تي 3: 5). وبسبب المحبّة التي عندي من نحوكم، أصلّي إلى الله من أجلكم، أن تفكّروا بعمق في حياتكم، وأن ترثوا الأمجاد غير المنظورة.

 

 

حقـًّا يا أبنائي إنّنا حتّى إذا أكملنا عملنا بكلّ قوّتنا في طلب الله فأيّ شكر نستحقّ؟ لأنّنا نطلب فقط مكافأة لنا؛ نحن فقط نطلب ما يتّفق مع طبيعة حياتنا الرّوحيّة وجوهرنا العقليّ. لأنّ كلّ إنسان يطلب الله ويخدمه بكلّ قلبه، فإنّما يفعل ذلك وفقًا لجوهره وهذا طبيعي بالنسبة إليه. أمّا إن صدرت منّا خطيئة، فإنّما هي غريبة عن طبيعة جوهرنا (الرّوحي).

 

 

الذبيحة والآلام

 

يا أبنائي الأعزاء في الربّ يا من أنتم مستعدّون لتقديم أنفسكم ذبيحة لله بكلّ قداسة، إنّنا لم نخف عنكم أيّ شيء نافع، بل أظهرنا لكم كلّ ما قد رأيناه: إنّ أعداء الصّلاح يدبّرون الشرّ دائمًا ضدّ الحقّ. وخذوا من هذا كلمة منفعة بأنّ "الذي حسب الجسد يضطهد الذي حسب الرّوح" (غل 4: 29). "وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون" (2 تي 3: 12).

 

ولأنّ يسوع عرف كلّ الآلام والتّجارب التي ستأتي على الرّسل في العالم، وأنّهم بصبرهم سيقضون على قوّة العدوّ، أيّ عبادة الأوثان، لذلك عزّاهُم بقوله "في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33). وعلّمهم قائلاً "لا تخافوا من العالم لأنّ آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا. إن كانوا قد اضطهدوا الأنبياء الذين قبلكم، فسيضطهدونكم، وإن كانوا يبغضونكم فسيبغضونكم أيضًا. ولكن لا تخافوا: لأنّكم بصبركم ستبطلون كلّ قوّة العدو" (رؤ 8: 18، مت 5: 12، يو 15: 20، لو 21: 19).

 

 

ما نحتاج أن نعرفه لنتحرّر

 

أمّا عن معاني الحريّة التي نلناها فعندي الكثير، ولكن أعط فرصة للحكيم فيصير أوفر حكمة (أم 9: 9). ومع ذلك فإنّنا نحتاج إلى التعزية المتبادلة بكلماتنا البسيطة. ولمحبّتي فيكم كلّمتكم بهذه الكلمات القليلة الرّوحانيّة لتعزية قلوبكم، لأنّي أعلم أنّه إذا كان العقل قد بلغ الإدراك الحقيقيّ فلا يحتاج إلى كثرة الكلام الجسداني. ولكنّني أفرح بكم جميعًا أيّها المحبوبون في الربّ، أنتم الأبناء القدّيسون الإسرائيليّون في جوهركم العقليّ. لأنّ أوّل ما يحتاج إليه الإنسان العاقل هو (أ) أن يعرف نفسه. (ب) ثمّ بعد ذلك يحتاج أن يعرف أمور الله، وكلّ الهبات السخيّة التي تهبها نعمة الله دائمًا وأبدًا للإنسان.

 

 

(ج) وبعد ذلك يحتاج أن يعرف أنّ كلّ خطيئة وكلّ إثم إنّما هي غريبة عن طبيعة جوهره العقلي (الرّوحي). وأخيرًا إذ رأى الله أنّه باختيارنا قد صارت لنا هذه الأشياء الغريبة عن طبيعتنا الرّوحيّة وأصبحت هي سبب موتنا هنا، لهذا السبب تحرّك بالرّحمة نحونا وبصلاحه أراد أن يرجعنا ثانية إلى تلك البداية التي بلا نهاية، (أي حالتنا الأولى التي لا موت فيها) وافتقد خلائقه، ولم يشفق على نفسه لأجل خلاصنا جميعًا. لقد بذل نفسه لأجل خطايانا (غل 1: 4) وصار مسحوقـًا بسبب آثامنا، ولكنّنا بجلداته شُفينا (أش 35: 4).

 

 

وبكلمة قدرته جمعنا من كلّ مكان من أقصاء الأرض إلى أقصائها، وعلمنا أنّنا أعضاء بعضنا لبعض (أف 4: 25). لذلك فإن كنّا قد تهيّأنا وعزمنا أن نحرِّر أنفسنا بواسطة مجيئه إلينا، فلنمتحن أنفسنا كأناس عاقلين لنرى ماذا يمكننا "أن نردّ للربّ من أجل حسناته التي صنعها معنا" (مز 116: 11).

 

وهكذا أنا أيضًا، المسكين البائس الذي أكتب هذه الرسالة، إذ قد نبّه عقلي من نوم الموت بنعمته، قد صرفت معظم زمان عمري على الأرض باكيًا منتحبًا وأنا أقول "ماذا يمكنني أن أردّ للربّ من أجل كلّ حسناته التي صنعها معي". فليس هناك شيء ينقصنا إلاّ وقد تمّمه لنا وعمله لأجلنا ونحن في مذلّتنا. فقد جعل ملائكته خدّامًا لنا. وأمر أنبيائه أن يتنبّأوا، ورسله أن يكرزوا لنا بالإنجيل. والتدبير الذي هو أعظم كلّ تدبيراته أنّه جعل ابنه الوحيد يأخذ صورة عبد لأجلنا.

 

 

لنطهّر قلوبنا بالتوبة لنرث الميراث والرّوح المعزّي

 

لذلك فإنّي أتوسّل إليكم، يا أحبّائي في الربّ، أنتم الوارثون مع القدّيسين، أن تُنهضوا عقولكم في مخافة الله. لأنّه يجب أن تكون هذه الكلمة واضحة لكم، أنّ يوحنّا السّابق ليسوع عمَّد بالماء للتوبة لمغفرة الخطايا ليجتذبنا إلى معموديّة ربّنا يسوع الذي عمَّد بالرّوح القدس والنّار. فلنستعدّ الآن بكلّ قداسة أن نُنَقـّي ذواتنا جسدًا وروحًا لنقبل معموديّة ربّنا يسوع المسيح، لكي نقدّم ذواتنا ذبيحة الله. والرّوح المعزي يعزّينا ليردّنا ثانية، إلى حالتنا الأولى فنستعيد الميراث وملكوت ذلك الرّوح المعزي نفسه.

 

 

واعلموا أنّ "كلّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح، ليس ذكر أو أنثى، ليس عبد ولا حرّ" (غل 3: 27، 28). وحينما ينالون تعليم الرّوح القدس تبطل منهم حركات الأفكار الجسدانيّة في ذلك الوقت، حينما ينالون الميراث المقدّس ويسجدون للآب كما يجب بالرّوح والحقّ (يو 4: 24). ولتكن هذه الكلمة واضحة لكم، ولا تنتظروا دينونة آتية عندما يأتي يسوع ثانية، لأنّ مجيئه (الأوّل) قد سبق وصار دينونة لنا أجمعين.

 

لذلك اعلموا الآن أنّ القدّيسين والأبرار، الذين لبسوا الرّوح، يصلّون دائمًا لأجلنا لكيما ننسحق أمام الله ونتّحد بربّنا ونلبس ثانية ذلك الثوب الذي خلعناه، والذي كان لنا منذ البدء أي صورته الأولى الرّوحيّة التي خلعناها بالمخالفة. لأنّه كثيرًا أيضًا ما جاء ذلك الصوت من الله الآب إلى كلّ الذين لبسوا الرّوح قائلاً لهم: "عزّوا، عزّوا شعبي يقول الربّ. أيّها الكهنة كلّموا قلب أورشليم" (أش 40: 2، 1 س). لأنّ الله دائمًا يفتقد خلائقه ويسكب عليهم صلاحه.

 

 

بالحقيقة يا أحبّائي، إنّه يوجد معاني للحريّة التي بها قد تحرّرنا ويوجد أشياء أخرى كثيرة لأخبركم بها. ولكن الكتاب يقول: "أعطي فرصة للحكيم فيكون أوفر حكمة" (أم 9: 9). ليت إله السّلام يُعطيكم نعمة وروح الإفراز، لتعرفوا أنّ ما أكتبه إليكم هو وصيّة الربّ. وليحفظكم إله كلّ نعمة مقدّسين في الربّ إلى آخر نسمة من حياتكم، إنّي أصلّي إلى الله دائمًا لأجل خلاصكم جميعًا، يا أحبّائي في الربّ. نعمة ربّنا يسوع المسيح تكون معكم جميعًا. آمين.

 

الى الأعلى

 


Login x