هاءَنَذا أَجعَلُ كُلَّ شَيءٍ جَديدًا «متفرقات

 

 

هاءَنَذا أَجعَلُ كُلَّ شَيءٍ جَديدًا

 

مع قيامة يسوع، بدأ عهد جديد في إنسانيّتنا، زال العالم القديم، كما يقول سفر الرّؤيا (21 /1- 5)، وها أنّ روح الله الذي أنتصر على الموت يجدّد كلّ شيء ويجعل كلّ شيء جديدًا. إنّ هذا الإعلان يجد صدىً عميقـًا في قلوبنا، فكلّنا يشعر بعطشٍ عميقٍ واشتياق كبير إلى عالمٍ جديد، عالم إنسانيّ، تعلو فيه قيَم الاحترام والمُساواة والعدالة، عالَم يضمَن لكلِّ إنسانٍ الخبز والحرّيّة والعدالة الاجتماعيّة.

 

وعلى المستوى الشّخصيّ والعائليّ، نحلُم بجوّ سلامٍ وارتياح، ونتمنّى أن نَجد عملاً يستوعِب إمكاناتنا ولا يحطّمنا بالسعيّ المحموم نحو المزيد مِن المال والنجاح والشّهرة. وفوق كلّ هذا تشتاق قلوبنا إلى الحبّ، أن نُحِبّ وأن نُحَبّ، أن نشعر بقيمة أنفسنا في عيون وقلوب الآخرين، وأن يقبلنا النّاس بجمالنا وظلالنا. وفي الحقيقة يكمن بحثنا الأساسيّ في أن نجد معنىً لحياتنا ووجودنا، فنعرف طَعم الفرح والسّلام.  

 

أحلام، أحلام! هل لها أن تتحقـَّق في يوم من الأيّام؟ هل يدري بها يسوع القائم مِن بين الأموات؟ هل تعني له شيئًا؟ بكلّ تأكيد، نعم ونعم! عاش يسوع حياتنا الإنسانيّة بكلّ عمقها وجمالها، عرف أحلامنا وتجاربنا، شعر بمشاعرنا وفهم رغباتنا العميقة، كلّ هذا ما عدا الخطيئة (عب4: 15). ولكنّ "الذي ما عرف الخطيئة، جعله الله خطيئة مِن أجلنا لنصير به أبرارًا عند الله" (2 قو5: 21).

 

تضامن يسوع معنا وذاق عبث الموت من جرّاء كذب الرؤساء الدينيّين وعنف الحكّام السياسيّين، وظلّ حتى النهاية، في أحلك الأوقات وأشدّها قسوةً، مؤمنًا بحبّ الله أبيه له وللنّاس كلّهم. وبقي يسوع واثقًا حتى الصّليب بأنّ حبّ الآب هو الكلمة الأولى والأخيرة على حياة البشر، وبأنّه أعظم من خطيئة الناس مهما كبرت أو تفشّت.

 

وصَدَق إيمان يسوع، وخرج منتصرًا مِن القبر، ليفتح قبور المائتين بوجوه مختلفة ولشتّى الأسباب. أسلَم يسوع روحه على الصّليب ليحوّل القلوب المتحجّرة إلى قلوبٍ من لحم، ليُعيد إلى الإنسان صورته وبهاءه كابنٍ حبيبٍ لله.

 

مَن يحقـِّق إذًا أحلامنا؟ هم تلاميذ يسوع في كلّ مكان وزمان، هم مَن آمنوا بروح الله السّاكن فيهم والعامل مِن خلالهم، هم مَن خرجوا من قبور الخوف واليأس والخطيئة، هم من اختبروا رحمة يسوع في حياتهم وعرفوا معنى المغفرة والمصالحة، هم مَن عرفوا بأنّ مع يسوع لا خوف ولا حزن ولا خجل، فلا شيء مِن حياتنا غريب عن حبّه، ولا شيء في حياتنا خارج عن نِعمته ونوره وحنانه.

 

من يحقـِّق أحلامنا؟ هم تلاميذ يسوع الذين اختبروا في حياتهم معنى أنّ الله يصنع كلّ شيء جديدًا، ووثقوا بأنّ روح الله يخترق يومًا بعد يوم كلّ جوانب وجودهم، وينير قلبهم وذهنهم، ويصالحهم مع ذكرياتهم ومخيّلتهم، فلا يعودون يخافون من الماضي، أو يرتعبون من المستقبل، بل يمضون في كلّ أيّام حياتهم بسلامٍ واطمئنان.

 

إنّ روح يسوع القائم مِن بين الأموات هو روح الحبّ الذي يجمعه ويوحّده بالله أبيه، ومن يمجّد يسوع اليوم هم تلاميذه الذين يؤمنون بأنّ الحبّ هو سرّ الحياة ورجاء العالم، وبأنّ عليهم أن يترجموا هذا الحبّ إلى أفعالٍ حقيقيّةٍ في واقع أُسَرهم وكنائِسهم ومجتمعهم.

 

الله لم يره أحدٌ قطّ (يو1: 18)، ويسوع صعد إلى السّماوات وأرسَل روحه على تلاميذه، أمّا تلاميذه فهم من يراهم العالم ويسمعهم، هم شهودُ القائم من بين الأموات في جميع الشّعوب (لو24: 47). وإذا أحبّوا بعضهم بعضًا، عرف العالم أنّ الله محبّة، آب وابن في الرّوح القدس (يو17: 21)؛ وإذا بذلوا أنفسهم من أجل النّاس من حولهم، وتعدّوا حواجز الطائفيّة والمذهبيّة، وتفوّقوا على الفوارق الاجتماعيّة والثقافيّة، عرف العالم أنّ يسوع قام حقًّا من بين الأموات؛ وإذا احترموا حقوق الإنسان، وبالأخصّ الصَّغير والضَّعيف والغريب والفقير، عرف العالم أنّ الله بالفعل قريب، محبّ، ورحيم بالبشر.

 

 

كلّ أحلامنا مشروعة وجميلة، والله يحقـِّقها من خلالنا وبنا، بنعمة روحه القدّوس الذي أقام يسوع من بين الأموات. وكلّ أحلامنا تتلخّص في نعمة الحبّ، فالحبّ هو الحياة والفرح والسّلام، ومن أحبّ كان من الله، والله كان فيه (1يو4: 7). قام يسوع من بين الأموات وغلب الخطيئة والعنف والموت، وأعطانا روحه، فلننطلق في عالمنا ومجتمعنا، نَحيا ونَعمل بالرّوح عينه الذي يُقيمنا كلّ يومٍ ويُنعشنا بالمحبّة والتسامح والمصالحة مع أنفسنا وتجاه كلّ الناس. 

 

الأب نادر ميشيل اليسوعيّ